أبرار اونلاين - مؤسسة الأبرار الإسلامية

Friday
Oct 31st
حجم الخط
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

موت الامم (دراسة في اسباب موت الامم من خلال القران الكريم)

إرسال إلى صديق طباعة
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

الدكتور عباس العبودي
(لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الأعراف 34
لقد إهتم المفكرون وعلماء الاجتماع والسياسة والتاريخ عبر العصور واجتهدوا في تقديم الاسباب والعوامل التي تفسر موت الامم من زوايا وجوانب شتى. الاهتمام بهذه القضية ليس مبعثه فقط محاولة الفهم والتفسير، ولكن لسبب آخر هو الاكثر اهمية. فهم اسباب انهيار وموت الدول والامم الحضارات يقدم الاجابة للتساؤل المقابل.. كيف تحيا الامم؟ أي كيف يمكن لها ان تتجنب مصير الانهيار والموت والفناء؟ بالضبط بنفس معنى ان فهم اسباب المرض ومعرفة اعراضه هو ضرورة اساسية لمعرفة العلاج ووصفه للمريض. ويستحيل ان نقدم ولو تلخيصا لكل ابعاد الجدل حول هذه القضية وما قدمه المؤرخون والمفكرون والعلماء من اجابات على هذه السؤال الكبير. لكن سنقدم على الاقل لمحة عامة لما قدموه تعطي صورة عامة للجوانب الاساسية المثارة بهذا الخصوص وتقدم الافكار الكبرى التي طرحت.
أرَّخ ابن خلدون في مقدمته لنهاية الحضارة الإسلامية بقوله: "وكأن لسان الكون نادى بالخمول فاستجاب والله وارث الأرض ومن عليها". وحسب "توينبي"، في كتابه "مختصر دراسة التاريخ"، فإن الحضارات تتعرض للفناء والاندثار، مثلها مثل الأفراد والتنظيمات والدول، فليس من أحد محصن ضد الزوال. ويصل توينبي في إحصائياته إلى 600 مجتمع بدائي انبثقت منها 32 حضارة اندثر معظمها. وهو أمر اختلف معه "شبنجلر" الذي رأى أن كل حضارة كيان قائم بذاته، وأن الحضارة ظاهرة متفردة، تتخشب وتتيبس مفاصلها، ثم تكون هشيماً تذروه الرياح. ووقّت شبنجلر لنهاية الحضارة الغربية بعنوان صارخ: "أفول الغرب"، وهو موت لا راد له، ولن يحدث في عقود، بل على امتداد القرون القادمة، وأهم مؤشراته "التمدد الإمبراطوري" على حد تعبير المؤرخ الأميركي "بول كيندي" وهو يدرس انهيار القوى الكبرى على امتداد القرون الخمسة الماضية، في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى.

معنى موت الأمم:
هناك اجلان أجل محتوم واجل مخروم ،فالامة التي تتوفر فيها كل العوامل الطبيعية للحياة تنتهي باجلها المحتوم ،إذا قصرت الامة في ممارسة حياتها الطبيعية ستموت وتنتهي كما انتهت الام السابقة. موت الامم قد يعني موتها بالمعنى الحرفي المباشر، أي اختفاءها المادي من الوجود. وفي تاريخ البشرية نماذج كثيرة لأمم وحضارات قامت وازدهرت ثم اختفت من الوجود. لكن المثال الابرز الذي يرد فورا الى الذهن الامبراطورية الفرعونية –الرومانية-الاغريقية-الفارسية – الخلافات الاسلامية، اخرها في الاندلس التي عاشت لثمانية قرون كاملة متصلة ثم اختفت من الوجود.
هناك بعض الدول تموت معنويا ولكن لاتختفي إختفاء ماديا. الامم قد توجد على قيد الحياة، لكن بلا وزن ولا تأثير ولا دور فاعل في عالم التقدم والمكانة بكل معانيها وسط الامم الاخرى ومقارنة بها.
يرى إبن خلدون أن الام تموت كما يموت الانسان، أي تولد، ويقوى عودها وتشتد، وتهرم، ثم تموت وتنتهي. وقد قدم ابن خلدون تصورا متكاملا لمراحل تطور الدول من قيامها حتى موتها. هذا التصور يقوم على ان الدول تمر بخمسة اطوار :
الطور الاول: طور القيام والنشأة.
والطور الثاني: هو ما يسميه طور الاستبداد والاستئثار بالسلطة والسلطان.
والطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك.
والطور الرابع: طور الخنوع والمسالمة والتقليد للسابقين بحيث (يقول الانسان ان ما كان عليه آباؤه واجداده هو السليم).
والطور الخامس: هو الاسراف والتبذير واصطناع قرناء السوء وابعاد الصالحين الناصحين.
وقد قدم المؤرخ البريطاني الكبير ارنولد توينبي تصورا متطابقا لمبدا ابن خلدون في قضية انهيار الحضارات (نظرية التحدي والاستجابة). فقد جاء في موسوعته الضخمة (دراسة للتاريخ في 12 مجلدا)، إن الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات محددة سواء كانت هذه التحديات مادية او اجتماعية. وفي تحليله ان الحضارة عندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تجابهها، فانها تدخل في مرحلة الانهيار. وقدم توينبي عمله الموسوعي الضخم. فحينما تعجز الدولة عن الاستجابة للتحديات وتفقد قوتها الاخلاقية والقيمية والروحية، فإنها ستنهار وتموت ماديا او معنويا والتي يسميها توينبي (شرخ في الروح الذي يقود الى موت القدرة الروحية والاخلاقية على الابداع والتجديد ومجابهة التحديات).
فالامم والحضارات تموت اساسا بسبب عوامل داخلية. وفي القلب من هذه العوامل الداخلية انهيار القيم والقوة الاخلاقية. ولقد لخص هو بنفسه القضية برمتها في عبارة بليغة حقا عندما قال: (الحضارات لا تموت قتلا، وانما تموت انتحارا).
وقد طابق المؤرخ الامريكي ويل ديورانت ،توينبي في دراسته لاسباب سقوط الحضارات والامم .وقد لخص ديورانت ملامح نظريته في مقال شهير له عنوانه «ما هي الحضارة؟ . يرى ديورانت أن مقومات الحضارة تقوم على اساس :
1- وجود نظام سياسي.
2- وجود شكل من اشكال الوحدة في اللغة كي تكون وسيلة اتصال وتفاعل عقلي وثقافي.
3- لا بد من وجود معايير قيمية واخلاقية متعارف ومتفق عليها كي تكون موجها وهاديا وحافزا.
4- وجود دين او عقيدة اساسية حاكمة.
5- وجود نظام تعليمي ينقل القيم والثقافة الى الاجيال الجديدة. وفي رأي ديورانت، فان اختفاء او انهيار بعض هذه المقومات، واحيانا انهيار واحد منها فقط يمكن ان يدمر الحضارة ويقود الى انهيارها.
وفي كتابات اخرى كثيرة، يضع ديورانت الانهيار الاخلاقي والديني والاخلاقي في مقدمة عوامل سقوط الحضارة. يقول: "الحضارات العظيمة لا تنهزم الا عندما تدمر نفسها من داخلها". والاسباب الاساسية لانهيار روما مثلا والحضارة الرومانية تكمن في شعبها واخلاقياته، وصراع فئاته وطبقاته، والاستبداد الذي عرفته .
وقد كتب ادوارد جيبون، في كتابه إنهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية. جيبون حدد بدوره خمسة اسباب تفسر في رأيه انهيار وموت الامم. هذه الاسباب هي:
1- انهيار مكانة وقدسية البيت والاسرة باعتبار انها هي اساس المجتمع الانساني.
2- فرض الضرائب المرتفعة، وانفاق المال العام على الكماليات والامور المظهرية.
3- ما يسميه تحول المتعة الى اشكال من الجنون. مثال ذلك ان تصبح الرياضة عاما بعد عام اكثر عنفا ووحشية.
4- انهيار المسئولية الفردية. أي احساس الفرد بمسئوليته تجاه المجتمع.
5- انهيار مكانة الدين في المجتمع، وكقوة مرشدة وموجهة وهادية لأبناء المجتمع تفكيرا وقيما وسلوكا.
وكتب لورد ماكولاي، مؤرخ وكاتب انجليزي عاش في القرن التاسع عشر حول إنهيار وموت الامم، فالامم تمر بمراحل متعددة منها:
1- من العبودية الى الايمان الروحي.
2- من الايمان الى البسالة والشجاعة الفائقة.
3- من الشجاعة الى الحرية.
4- من الحرية الى الوفرة.
5- من الوفرة الى الاستكانة والرضا الفائق عن النفس.
6- من الاستكانة الى الانانية المفرطة.
7- من الانانية الى الاستهتار واللامبالاة.
8- من الاستهتار الى التبعية.
9- من التبعية الى العبودية مجددا
ويعتبر القرآن أن المجتمعات تموت كما يموت الافراد (لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون). (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (الحجر:5)، (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (المؤمنون:43). (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون:11).
فالمتتبع للتاريخ البشري يرى ان جميع الامم تموت كما يموت البشر باجلهم ولكن هناك امم تعمر وهناك امم تنتهي باجل قريب حسب توفر الضروف الموضوعية للبقاء او الفناء وقد ركز القران الكريم في مواقع متعدد ان ينظروا الى الامم السابقة ودراسة الضروف الموضوعية التي ادت الى هلاك الامم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يوسف:109)، (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) (الروم:10)، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) (الروم:42)  ، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر:44)

ومن العوامل الاساسية التي تؤدي الى هلاك الامم هي:
1-  الانحراف عن الصراط ونسيان الله سبحانه وتعالى . فالانحراف يذهب بطاقات الامة والفرد بعيدا عن اهدافه الرئيسية، كالذي يسير بعيدا عن الجادة، لا تزيده السرعة الا بعدا، و كلما ابتعد الانسان عن الطريق الذي ارتضاه الله له كلما قرب من نهايته، سواء كان الانسان الفرد أم الحضارة، (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ) (لأعراف:51). (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف:165). (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً) (الفرقان:18). (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر:19). (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم:9)
2-  الاختلاف والتشتيت وتصدع جدار وحدتها.
3-  قطع الروابط الاسرية وتواصل الارحام.
4-  غياب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
5-  سكوت العلماء عن دورهم ومسؤوليتهم وترك الحكام المستبدين يضلمون ويبررون لظلمهم.
6-  تولي السفهاء من الأنصار والذرية والأتباع لمؤسسات الدولة وترك اصحاب الوعي والكفاءة بعيدين عن تحمل المسؤولية.
7-  الفساد الاجتماعي والاداري والاقتصادي والسياسي.
8-  الوهن الحضاري للامم الامة التي تبني وجودها على اساس الباطل هي امة واهية وان كانت قوية في الظاهر، إلا أنها ضعيفة في الواقع مهما تظاهرت بالقوة والبطش والارهاب، لانها لا تتفق ورسالات الله، وسنن الحياة، وعبر التاريخ، ويرفضها العقل والفطرة، مما يجعلها عرضة للزوال، لان من طبيعة الباطل الزوال والزهوق، تماما كبيت العنكبوت الذي قد يخدع الانسان بمداخله ومخارجه وهندسته، ولكنه سرعان ما يطير مع هبات الريح، وكذا هو عذاب الله بالنسبة لتلك الحضارات، (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:41)

وقد ذكر القران الكريم في مواقع عديدة صورا لامم بلغت ذروتها في القوة الظاهرية والبطش والعصيان الا ان الله سبحانه اخذهم اخذ عزيز منتصر كما في اصحاب نوح وابراهيم ولوط ويشع وفرعون وعاد وثمود وقوم صالح وامثالهم. (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد:10) ،(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر:21)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر:82).
9-  الثقافة الجاهلية، حيث يلعب انحراف الثقافة دورا بارزا في تبرير اخطاء الانسان مما يجعله يفقد المناعة ضد الخطأ، ويغدو متراكم السلبيات عرضة للبوار، ثم ان الثقافة الباطلة تحول القيم فتنحرف مسيرة الحضارة الصاعدة الى طريق هابط، وأخيرا تشوش الثقافة الفاسدة الرؤية فيتخذ البشر مواقف خاطئة، ولان الثقافة بمثابة البنيان التحتي لأي كيان، فمتى كان الاساس غير سليم، فان البنيان ينهار سريعا، (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة:109)، (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد:17). ثقافة الانسان الجاهلية، وانحرافه عن الصراط يدفعانه الى تجاهل قدرة الله، والاعتماد أكثر فأكثر على حسابات مادية بحتة، سواء كان يمتلكها هو أو تحيط به، ناسيا ان من يسير الحياة هو رب العباد، وانه سبحانه هو الذي يشاء لا غيره، وهذه خاتمة المطاف في مسيرة التدهور البشري، وحين تصل البشرية الى هذا المطب، فقد اذن لها بالزوال، (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) (القصص:78).
10- الفساد الاجتماعي ومحاصرة اهل الحق، حينما يمارس الفساد في المجتمع وتكون مفاهيم الباطل هي الحاكمة، والحاكم يروج لها ويحارب اهل الحق الذين يسعون لمنع الباطل الاجتماعي من الانتشار ورفض كل انواع الفساد الاجتماعي لان في ذلك نكران لانعم الله (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس:91). (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4)، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (العنكبوت:36) و (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة:205) و (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود:116)، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77). (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41). (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26)، (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (الفجر:12).
والفساد قد يتخذ اتجاهات متعدد منها الفساد الاجتماعي ومنها الفساد الاقتصادي ومنها الفساد الاعلامي ومنها الفساد على كل المستويات الاجتماعية والسعي الى مسخ الشخصية الانسانية حتى تتحول الى شخصية ميتة حتى وان كانت حية بيولوجيا وكما عبر عنهم امير المؤمنين (ع) أنهم أموات الاحياء.

كيف يحصل انهيار الامم ونهايتها:
ذكر القران الكريم محاور كثيرة للقضاء عل الامم التي انحرفت عن جادة الصواب وتنكرت للسنن الطبيعية في الحياة التي ارادها الله سبحانه للبشر ليكونوا خلفاء في الارض ليعمروها بالعمل الصالح من خلال احترامهم لقييم الخيرة التي تجلب السعادة للامم في الدنيا والاخرة ولكنها حينما تعيش الامم حاكما ومحكوما الظلم والفساد بكل عنوانيه ستنهار هذه الامم وتنتهي معنويا وماديا. (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (الأنعام:131)، (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ) (لأعراف:97)، (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (لأعراف:98) ، (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) (لأعراف:101) ، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) (هود:100) ، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) ، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يوسف:109) ، (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) (الكهف:59). (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص:59)
لقد جعل الله تعالى سنة طبيعية في عملية الصراع فلم يمييز امة عن امة الاّمن خلال عطائها وموقفها واحترامها للقيم الالهية فاذا قصرت الامة وابتعدت عن السنن الطبيعية التى رسمها الله سبحانه وتعالى للبشر فأنها ستموت ويعذبها كما عذب الامم الاخرى والقران شاهد على ذلك، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر:19). (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً) (النساء:133) ، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) (الأنعام:133)، (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة:39)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (ابراهيم:19)، (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (فاطر:16).
دعوة مخلصة الى الجميع اعملوا باخلاص وتفاني من خلال السنن الطبيعية التي رسمها المولى سبحانه لنعيش الى اجلنا المحتوم لا ان نننتهي باجلنا المخروم، لان الاجل المخروم بما كسبت ايدي الناس. والله من وراء القصد.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

 

Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
رجاءا... ادخل الرموز الموجودة في الصورة

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 

برامج سابقة

محرم الابرار

بسم الله الرحمن الرحيم

تحيي مؤسسة الابرار الاسلامية موسم عاشوراء هذا العام

ابتداءاً من يوم الاحد 16 اكتوبر ولغاية يوم الاثنين 3 نوفمبر 2014

يبدأ البرنامج يوميا بعد صلاتي الظهر والعصر مباشرة.

وسيكون خطيب المنبر الحسيني لهذا العام
سماحة الشيخ عيسى المؤمن

لمزيد من التفاصيل اضغط هنا

للتسجيل في قائمتنا البريدية

الأسم:
البريد الألكتروني:

مقالات ساخنة

 

أنا متشدد أكثر من الألباني وحديث الغدير أصح حديث على وجه الأرض!

كتبه: حسن بن فرحان المالكي 

 

من الربيع العربي الى الخريف الاسلامي

د. سعيد الشهابي - AUGUST 26, 2014 لا يمكن لانسان عاقل ي...

 

على خط النار

علي السّرايكثيرا ما قرآنا وسمعنا واستلهمنا من كر...

 

الشبق الجنسي أبرز مكونات الشخصية الداعشية

على مدى اكثر من الف عام، لم يتعرض الاسلام لعملية ت...

 

لماذا تتساقط المصائب على الأمة الإسلامية؟

في خطبة صلاة الجمعة 29 آب / اغسطس، دعا الشيخ سعود ال...

كلمات مختارة

طـولُ البـالِ يهـدمُ الجبـالِ.

المتواجدون حاليا

حاليا يتواجد 39 زوار  على الموقع

microsoft search engines